المولى إسماعيل: كيف نجح في بناء أقوى سلطة مركزية في تاريخ المغرب الحديث؟

 

المولى إسماعيل كيف نجح في بناء أقوى سلطة مركزية في تاريخ المغرب الحديث؟


يُعد عهد السلطان المولى إسماعيل (1672–1727) مرحلة مفصلية في تاريخ المغرب الحديث، حيث انتقل فيه المغرب من وضعية التأسيس التي قام بها المولى الرشيد إلى مرحلة بناء دولة قوية ومتماسكة. فقد ركّز السلطان خلال فترة حكمه الطويلة على تثبيت أركان الدولة العلوية وتقوية جهاز المخزن، واضعًا نصب عينيه هدفًا واضحًا يتمثل في فرض السلطة المركزية على كامل التراب المغربي، والقضاء على كل مظاهر التمرد الداخلي، مع مواجهة الأطماع الخارجية التي كانت تهدد وحدة البلاد واستقرارها.

في هذا السياق، عمل المولى إسماعيل على إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية بشكل جذري، حيث أدرك أن قوة الدولة لا يمكن أن تقوم دون جيش منضبط يدين بالولاء المباشر للسلطان. فقام بتأسيس جيش عبيد البخاري، وهو جيش نظامي اعتمد فيه على عناصر مغربية سوداء البشرة إضافة إلى عبيد تم استقدامهم من جنوب الصحراء، وتم إخضاعهم لتدريب عسكري صارم وتنشئة خاصة تجعل ولاءهم مرتبطًا بشخص السلطان وحده. وقد شكّل هذا الجيش العمود الفقري للسلطة المخزنية، ومكّن المولى إسماعيل من فرض نفوذه على مختلف جهات البلاد. وإلى جانب ذلك، عمل على تعزيز قبائل الكيش العربية، وبناء شبكة من القصبات بلغ عددها ستة وسبعين قصبة، هدفها تأمين الطرق التجارية ومراقبة القبائل والحد من تحركات المتمردين، كما اختار مدينة مكناس عاصمة له، فحوّلها إلى مركز سياسي وعسكري يعكس هيبة الدولة وقوتها.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد أولى السلطان أهمية كبيرة للتجارة، خاصة التجارة الصحراوية التي كانت تربط المغرب ببلدان إفريقيا جنوب الصحراء، إضافة إلى المبادلات التجارية مع أوروبا التي أخذت تتوسع خلال هذه الفترة. كما استفاد من مداخيل الجهاد البحري، موجّهًا عائداته لخزينة الدولة، مما ساهم في تمويل مشاريعه العسكرية والإدارية. وفي سبيل تعزيز موارد المخزن، فرض نظامًا جبائيًا متنوعًا لم يقتصر على الضرائب الشرعية والرسوم الجمركية، بل شمل أيضًا ضرائب إضافية مثل المكس والحركة والمونة، وهو ما أدى في بعض الأحيان إلى إثارة استياء فئات معينة، خاصة التجار في المدن الكبرى.

وعلى الصعيد السياسي، سعى المولى إسماعيل إلى تقليص نفوذ الزوايا التي كانت تشكل مراكز قوة مستقلة، فعمل على حصر دورها في المجال الديني، وفي المقابل دعم زوايا أخرى موالية له، مثل الزاوية الوزانية والزاوية الناصرية، لتكون أدوات لتعزيز نفوذه في المناطق المختلفة. كما اعتمد على تعيين أبنائه على رأس الأقاليم، في محاولة لضمان ولاء هذه المناطق للسلطة المركزية وترسيخ الحكم العلوي في مختلف أنحاء البلاد.

غير أن هذه السياسة لم تمر دون مقاومة، إذ شهدت عدة مناطق من المغرب ثورات واضطرابات متكررة. فقد عرفت مدينة فاس انتفاضات قوية بسبب تضرر تجارها من الضرائب، خاصة المكس، ما دفع السلطان في البداية إلى محاولة استمالة العلماء والشرفاء ورؤساء الزوايا، قبل أن يلجأ في النهاية إلى استعمال القوة لإخضاع المدينة. كما شهدت منطقة سوس تمردًا خطيرًا بقيادة أحمد بن محرز، ابن أخ السلطان، الذي نُصّب سلطانًا من طرف بعض القبائل واستمر في تمرده لأربعة عشر عامًا، إلى أن تمكن المولى إسماعيل من القضاء عليه سنة 1685، رغم أن المنطقة عرفت لاحقًا اضطرابات جديدة بقيادة بعض أبناء السلطان أنفسهم. وفي جبال الأطلس، رفضت القبائل أداء الضرائب وتحالفت مع زوايا معارضة، مثل زاوية أحنصال وتاسافت، وهو ما أدى إلى صراع طويل دام أكثر من ربع قرن، انتهى بإخضاع هذه المناطق عبر تطويقها بسلسلة من القصبات.

ومن أبرز إنجازات المولى إسماعيل أيضًا جهوده في تحرير الثغور المحتلة، حيث قاد المغاربة لاسترجاع عدد مهم من الموانئ على الساحل الأطلسي، وعمل على دعم المقاومة ضد الاحتلال الإسباني في الشمال، وظلت مدينة سبتة محاصرة لعدة عقود، في محاولة لاستعادتها وتعزيز السيادة المغربية على كامل ترابها. وقد كان هذا التوجه جزءًا من سياسة تهدف إلى تقوية الشرعية الدينية والسياسية للسلطان، وإظهار قدرته على حماية البلاد من الأخطار الخارجية.

وفي علاقاته الخارجية، واجه المغرب تحديات مع الأتراك في الجزائر، الذين حاولوا استغلال الاضطرابات الداخلية لدعم بعض المتمردين، مما دفع المخزن إلى تنظيم حملات عسكرية بين سنتي 1674 و1692 لصد هذه التدخلات. كما حاول السلطان التنسيق مع الجزائريين ضد الإسبان في وهران سنة 1694، وعمل على توسيع نفوذه في مناطق مثل توات وشنقيط. ورغم استمرار المناوشات، كانت هذه الصراعات غالبًا ما تنتهي بعقد صلح، أبرزها صلح وادي تافنا، الذي أعاد التوازن بين الطرفين.

أما في علاقاته مع أوروبا، فقد شهدت هذه الفترة تحولًا مهمًا، حيث بدأ الجهاد البحري في التراجع نتيجة التفوق العسكري والتقني للأساطيل الأوروبية، في مقابل ازدهار التجارة البحرية. وقد سعى المغرب إلى تطوير علاقاته التجارية والدبلوماسية مع الدول الأوروبية، خاصة عبر مينائي سلا وتطوان، وكان ملف الأسرى من أهم القضايا التي استدعت تبادل السفارات والمراسلات. ورغم محاولات التقارب مع فرنسا، فإن العلاقات لم تنجح بسبب الخلاف حول فدية الأسرى وموقف فرنسا من الاحتلال الإسباني لسبتة. في المقابل، نجحت بريطانيا في استغلال هذا التوتر، فأقامت علاقات قوية مع المغرب، وقدمت له الدعم العسكري، خاصة بعد احتلالها جبل طارق سنة 1704، وتوج هذا التقارب بتوقيع معاهدة سنة 1721، التي منحت بريطانيا امتيازات تجارية مهمة داخل المغرب.

وفي نهاية عهده، كان المولى إسماعيل قد نجح في تحقيق هدفه الأساسي، وهو إعادة توحيد المغرب تحت سلطة مركزية قوية، والقضاء على القوى المحلية المنافسة، وترسيخ دعائم الدولة العلوية. غير أن هذا النظام كان مرتبطًا بشكل كبير بشخص السلطان، خاصة جيش عبيد البخاري الذي ظل ولاؤه له وحده، مما أدى بعد وفاته إلى ظهور صراعات جديدة وضعف في السلطة المركزية، ودخول المغرب مرحلة من الاضطراب السياسي.

المصادر و المراجع

ابراهيم حركات - المغرب عبر التاريخ, الجزء الثالث , الطبعة الثالثة , دار الرشاد الحديثة , الدار البيضاء , 1993 .

الإفراني محمد الصغير، نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي، الطبعة الأولى – سنة 1419 هـ / 1998م

 القبلي محمد، تاريخ المغرب تحيين وتركيب، منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، مطبعة عكاظ الجديدة- الرباط، الطبعة الأولى 2011.


تعليقات